
دمشق – القطيفة:
في مشهد يقطع نياط القلوب ويكشف وحشية فاقت حدود الخيال، تم العثور مساء اليوم على مقبرة جماعية في منطقة القطيفة بريف دمشق. هذه المقبرة تضم رفات حوالي 200 ألف معتقل، كانوا سجناء في سجن صيدنايا، المكان الذي عرف على مر السنين بأنه مسلخ بشري لا يخرج منه سوى الموتى.
الجثث التي اكتُشفت لم تكن مجرد أجساد دُفنت تحت التراب؛ إنها أرواح صعدت بعد أن تجرعت أصناف العذاب، وآثار التعذيب الوحشي التي تظهر على بعضها تؤكد على معاناة تفوق الوصف.
شهادة حيّة من قلب الجريمة
في لقاء صحفي أجري مع أحد المتواجدين في الموقع، وهو سائق جرافة سابق في بلدية القطيفة، كشف عن تفاصيل تقشعر لها الأبدان. تحدث الرجل، وقد بدت على ملامحه آثار الصدمة، قائلاً:
كنت أعمل في بلدية القطيفة، وكانن يتم طلبي واستدعائي كل أسبوع من قبل أجهزة الأمن. ومهمتي كانت إغلاق الحفر التي كانوا يحفرونها لدفن الجثث. كنت أرى كل أسبوع ما بين 70 و100 جثة تصلنا من مشفى تشرين العسكري. كان المشهد مرعبًا، جثثهم محملة في شاحنات كبيرة، وآثار التعذيب بادية على وجوههم وأجسادهم”.
وأضاف، بصوت يفيض بالندم تارة وبالأسف تارة
“لم يكن لدي خيار. كانوا يطلبون مني أن أغلق الحفر بسرعة. في بعض الأحيان، تصلنا شاحنات أخرى من سجن صيدنايا، محملة بما يقارب 200 جثة دفعة واحدة. كنت أدفنهم وأنا أسمع صرخاتهم في أذني، رغم أنهم ماتوا. كانوا يدفنون الموتى، أما نحن فكنا ندفن إنسانيتنا”
صيدنايا: مقبرة الأحياء
سجن صيدنايا، الذي أطلق عليه حقوقيون لقب “جحيم الأرض”، هو المكان الذي شهد أعوامًا من الجرائم البشعة. آلاف المعتقلين من كافة الأعمار قضوا فيه تحت التعذيب، أو بالإعدام الجماعي، حيث تُنفذ الأحكام بسرية مطلقة.
الجثث التي تكدست في هذا السجن كانت تُنقل أسبوعيًا إلى مشفى تشرين العسكري، حيث تتم “معالجة” الوثائق، قبل أن تُرسل إلى مناطق بعيدة عن الأنظار، مثل القطيفة، ليُدفن أصحابها في مقابر جماعية.
“كنا ندفن الصمت… والحق يصرخ”
هذه المقبرة ليست مجرد حفر مملوءة بالجثث، بل هي حكاية جريمة ممنهجة، صمت عنها العالم لعقود. إنها الأرض التي احتضنت المقهورين، والصرخة التي لن يخمدها التراب.
الرسالة السماوية: “ولا تحسبن الله غافلًا”
لقد قال الله في كتابه الكريم: “ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون”. هؤلاء الشهداء الذين قُتلوا ظلمًا، لن تذهب دماؤهم سدى. ستبقى صرخاتهم لعنة تطارد الجناة، وستكون هذه المقابر شهادة على وحشية نظام لا يعرف للرحمة طريقًا.
إلى أين يتجه العالم أمام هذه الكارثة؟
إن المقبرة الجماعية المكتشفة اليوم ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ما لم يتحرك العالم لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم. الصمت الدولي جريمة، والسكوت عن هذه الفظائع مشاركة ضمنية في دفن الحقيقة مع الضحايا.
المجتمع الدولي مُطالب اليوم بفتح تحقيق شامل حول هذه الجريمة ومثيلاتها، وإحالة كل المتورطين إلى العدالة، مهما كانت مناصبهم.
رسالة من تحت التراب
الضحايا المدفونون في القطيفة يرسلون رسالة للعالم:
“كنا نحلم بحياة كريمة، لكنهم حولوا أحلامنا إلى قبور. لا تنسونا… ولا تتركوا دماءنا تضيع”.
بقلم الصحفي: عبدالله بركات



